الحبكة في المسرحية أكثر فلسفة كونها تعبر عن الحقيقة الكلية والعامة / محسن النصار

كتابات مسرحية
من عرض مسرحية  "حرير ادم "مهرجان المسرح العربي المغرب 2015

تعد الحبكة  العنصر الرئيسي في المسرحية و يصفها أرسطو بأنها حياة المأساة  وروحها، فالحبكة لا تعني فقط القصة الذي يرويه النص المسرحي ولكن المقصود بها التنظيم العام لعناصر  المسرحية  وربطها بشكل محكم  بهدف تحقيق تأثيرات و انفعالات ذات تأثير درامي يجعل من المسرحية متماسكة فالحبكة  في المسرح تخدم  الحكاية والفعل والعقدة,وهناك أنواع من الحبكات الدرامية منها المبنية بناءا محكما و منها الحبكة البسيطة ، والحبكة المعقدة , الحبكة المركبة .ولا يمكن تأليف  مسرحية مهما كان اسلوبها ومذهبها  ان تستغني او تخلو من  الحبكة  ، فالحبكة هي الإطار أو المسار الذي يشقه الحدث الذي يشمل كل ما نفعله الشخصيات ، فالحبكة هي التي تحدد نوعية الأحداث التي ستتضمنها المسرحية ، والنظام الذي ستتبعه في تدفقه ، فأي حدث يدخل في النسيج لا بد أن يكون مؤثراً في الأحداث ومتأثراً بها بطريقة أو بأخرى ، وذلك طبقاً لقانون السبب والنتيجة ، فأي حدث هو سبب يؤدي إلي حدث أخر ينتج عنه ويتولد منه ، ولذلك فمكان وقوعه في السياق الدرامي لنص المسرحية ضرورة حتمية بحيث يؤدي أي تغيير في موقع الحدث إلي اضطراب السياق كله ، لذلك تعد الحبكة بصفة عامة العملية الدرامية التي تحتوي علي اختيار الأحداث وتنظيمها ، وتطويرها من بداية النص المسرحي إلي نهايته ، وهذا يعني أن الحبكة تحدد بداية النص المسرحي وكذلك نهايته بناءً علي نوعية المضمون المطروح فيها وأسلوب معالجته درامياً .

إن الحبكة البسيطة هي تلك التي تنهض علي تطولا مباشر للأحداث من نقطة بداية محدودة إلي خاتمة يسهل التنبؤ بها ، ونادراً ما تخيب التوقعات وتنحرف بعيداً عن الاحتمالات الأساسية ، ويبرز هذا النوع من الحبكة في المسرحيات التاريخية التي تدور حول شخصية رئيسية واحدة ، حيث تستمد الحبكة البسيطة طاقاتها من شخصيات وأحداث تاريخية ، وتمارس تأثيرها علي المشاهدين من خلال شوقهم لرؤية هذه الشخصيات والأحداث من منظور درامي مثير وطريف ، وهذه النوعية من المسرحيات تجعل من الحبكة معادلاً موضوعياً للحياة الواقعية ، حيث تلزم نفسها بالنظرية الواقعية للمسرح فتحاول أن تتمثل العالم بشكل دقيق ومخلص . وأرسطو يصف الحبكات البسيطة بأنها رديئة حين لا تتبع مشاهدها قاعدتي الاحتمال والحتمية ، فقدرة الحبكة علي إثارة إحساس المشاهد بالإدهاش وهي ناتجة عن الحتمية تكون أعظم من تلك الحبكات القائمة علي الصدفة أو تلك التي تتولد من تلقاء نفسها بلا منطق .

أما النصوص المسرحية ذات الحبكات المعقدة ، فهي تلك التي تخالف خاتمتها كل التوقعات التي أثارها سياق الأحداث فيها ، ذلك لأن سياق الأحداث يدخل في منحنيات وتعقيدات تغير من اتجاهه تغيراً غير متوقعاً . وتعد مسرحية “أوديب ملكاً” نموذجاً دالاً علي هذه النوعية من الحبكات . والحبكة المعقدة تصبح أكثر إقناعاِ عندما لا تقتصر علي المفاجآت غير المتوقعة ، بل تعتمد علي الحتمية المنطقية التي كانت خافية عن أبصارنا ، لكن التحول غير المتوقع أبرزها علي السطح بمجرد وقوعه ، وهذا دليل علي أن التحول لم يأت نتيجة صدفة مفتعلة ، بل كان نتيجة حتمية لأسباب خافية علينا .

أما الحبكة المركبة فهي التي تؤلف بين اثنين أو أكثر من سياقات الأحداث التي تم تركيبها بحيث تتفاعل لتنتج في النهاية بناءً متكاملاً مقنعاً ومشبعاً ، وأحياناً تبدو الخيوط المختلفة للأحداث الدرامية واضحة في سياق النص المسرحي ، وتحدث أثرها الكلي من خلال التوازنات المتبادلة فيما بينها ، وفي أحيان أخرى تلتحم الحبكات الواضحة المتبلورة في نسيج محكم بحيث يؤدي أي تغيير في إحداها إلي تغيير شامل في السياق كله . والحبكة المركبة يمكن أن تتكون من حبكتين بسيطتين مباشرتين في تطورهما ، أو من حبكتين معقدتين ، أو من حبكة بسيطة وأخرى معقدة ؛ وكلما زادت الحبكات المركبة علي اثنتين أو ثلاث فإن احتمالات الجمع بين الحبكات البسيطة والمركبة يتضاعف ونقطة الانطلاق و هي نقطة بداية الحدث والحدث الصاعد و هي تتابع الأحداث بشكل متصاعد تصل بنا إلى ذروة العمل الدرامي

 الذي يؤدي الى المكاشفة و هي عملية كشف خبايا الأحداث في المسرحية  مثل كشف هاملت  عن خيانة عمه  ومن خلال المكاشفة تبدأ الشخصيات في الظهور بشكلها الحقيقي كما يريد أن يرسمها الكاتب المسرحي  و ردود أفعالها مما يزيد التشويق الذي يؤدي الى التلميح من خلال  تقديم كلمة أو إشارة إلى حدث معين لتهيئة المتفرج وتحفيزة بالتعقيـد وهو المزج بين أكثر من خط درامي للوصول بالحبكة المسرحية  إلى قمة أزمتها لخلق  التشويق من خلال  إثارة اهتمام المتفرج  عن طريق استثارة إحساسه بالقلق من خلال استغلال تعاطفه مع البطل الدرامي ثم يعقب ذلك كشف الحدث للوصول إلى الراحة النفسية للوصول إلى درجة من الإشباع الفكري تصل بالمتفرج  للمتعة الفكرية التي يبحث عنها  المؤلف المسرحي 

 الأزمة و الذروة هي قمة التوتر الانفعالي و من الممكن أن نطلق عليها عملية التحول من حالة عدم المعرفة إلى حالة المعرفة

 الحدث الهابط و هنا بعد أن وصلنا إلى الذروة و انتهت عملية المكاشفة وهي أما وصول البطل إلى قمة نجاحه أو فشله في معالجته للأحداث التي مرت به خلال زمن العمل المسرحي

إذا تعقدت الحبكة عن حدٍ معين أصبح من الصعب علي المشاهد أن يتتبع تطور حلقات سلسلة الأسباب والنتائج ، فالحبكة الزاخرة بالتفريعات الجانبية قد تطغي أحد حبكاتها علي السياق كله  وكأنه مسرحية بذاتها لأنها تتطور بشكل متسق وتام ومحكم  .

 فالحبكة في  المسرحية أكثر فلسفة ، لأنها لا تعبر عن حقيقة خاصة ، ولكنها تعبر عن الحقيقة الكلية والعامة .

وتشتمل الحبكة علي العقدة ـ من المنظور الكلاسكي   الذي كان يري المسرحية عبارة عن : مقدمة / عقدة / حل ـ التي تجعلنا ننظر للنص المسرحي ، وكأننا ننظر إلي منظور هرمي ؛ تمثل أحداث البداية المقدمة ، وهي في حالة صعود / تصاعد درامي وصولاً إلي القمة / العقدة / الذروة الدرامية ، ثم تسلك الأحداث طريق الهبوط نحو الحل والنهاية .

إرسال تعليق

0 تعليقات

جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة الأضواء المسرحية 2016

موقع الفنان والكاتب المسرحي محسن النصار

الاتصال بهيئة التحرير

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

زيارة مجلة الفنون المسرحية على الفيسبوك

زيارة مجلة  الفنون المسرحية على الفيسبوك
مجلة الفنون المسرحية على الفيسبوك

المشاركة على المواقع الأجتماعية

الأخبار المسرحية

الترجمة Translate

المشاركة في المواقع الأجتماعية

من مواضيعنا المتميزة