"فرضاً إنّو" مسرحية التخيّلات: جاك مارون خلق دينامية جامحة بين طلال الجردي وغبريال يمين

مجلة الفنون المسرحية

مسرح يفرض ببراعة الإخراج والتمثيل، سحره على الجمهور. أسماء ثلاثة، لكلٍّ منهم موضعه البارز في تحريك فضاء المسرح، التقوا في مسرحية "فرضاً إنَوّ..."، في فعل إخراجي صارخ وعنيف، عرّى الممثلَين من حدودهما المألوفة على الخشبة، ليجدا ذاتهما في مستودع مهجور، يلتقطهما فراغ يبلبل اللقاء فوراً بين الداخل إلى المستودع (طلال الجردي) للاستفسار عن نوع العمل الذي دعي لأجله، والصوت المجهول الذي لفّه من كل جانب من دون تحديد لمصدره.

"في حدا هون؟"، يسأل الداخل، وهو يدور في فضاء المستودع، مستعلماً، فيما يسمع صاحب الصوت (غبريال يمين) يطلب منه هويّته وأشياء تخصّه وتعرّف عنه، إلى أن يبرز أمامه، كائناً سوريالياً من خارج الزمن. الحوار بينهما كفتيل الفتنة، أشعل فوراً سوء التفاهم وعمّق الهوّة بين طبيعتين نقيضتين، طلال الجردي، المتألّق في شخصية الإنسان المتزن أوّلا، إلى أن ينزلق شيئا فشيئا في جحيم غبريال يمّين، الباهر في حياكة شخصية الإنسان المنفصم، راعي شؤون مستودع خيالي، يحيّر هذا الزائر بين حقيقة وجوده فيه وتخيّلات مجنون، غريب الأطوار.
شخصيتان بارعتان، خلقا من الفراغ الجاثم، مادة ملموسة، زاخرة بالعبارات الطريفة، عالية بمستواها الاحترافي التمثيلي الشيّق، المعيّر على الثواني، والمفاجآت المتطوّرة كقنبلة موقوتة. في مستهل المسرحية، كل شيء على ما يرام. إنسان آتٍ للعمل، لكن القابع أمامه يملك فن السيطرة على الزائر وبلبلته حتى إتلاف إدراكه. مرّات يعيل صبر طالب العمل ويهدد مرات بالرحيل، وغبريال يمين، المستلذ في انفصامه، يشوي زائره على نار الإبهام والمراوغة. عاصفة هادرة من الأسئلة تريد إيضاحاً عن نوع العمل وماهية المستودع، فتصادرها أجوبة هذا المسؤول، الأقرب إلى الهلوسات منها إلى المعلومات السليمة، مقفلة في كفّ قناعاته المختلّة. اللعبة العبثيّة، المحنّكة، بنصّها الملبنن بالمعايير اللازمة، والمفردات الظريفة، السوقيًة لحاجة التعبير عن الغضب الجامح، خلقت المناخ الذي عليه قامت مسرحيّة، مستقلّة عن مواصفات المسرح عامة. كوميديا مبتكرة أعطت الفراغ دوراً ميتافيزيقياً، نما وتطوّر بين ممثلَين بارعَين، شقّا في هذه اللعبة الغريبة، درباً إلى المشاهد، وسيطرا، فيما كان يضحك ويتمتع بظرافة الأداء، على إدراكه الحسي. من حالة الوعي كنا من خطوة إلى أخرى، نتيه في غربة الذات، فيما كان الضحيّة (طلال الجردي) منحنياً على صناديق وهميّة يُخرج منها أدوات وهميّة ويعطيها تحت سطوة جلاّده (غبريال يمين)، معاني مختلقة تتوسع معها الرقعة المؤديّة إلى إتلاف المعنى الحقيقي للوجود.
مسرحية كتبها الممثل الأميركي آلن آركن، واقتبسها غبريال يمّين عنواناً ومضموناً، باللغة المحكيّة السلسة بحبكاتها، الطريفة بمفرداتها، لتغدو على خشبة "مسرح مونو"، بإخراج جاك مارون تحفة مسرحية، بقيمة ما تسنّى لنا مشاهدته في كل عمل من أعمال فنّان مرهف وذكي، يراهن على خياله الحرّ من كل ممنوع، واحتوائه للممثل القادر على التوغّل معه في مغامرة الجاذبية المثيرة ورفع القيمة الجمالية بمذاقاتها البصرية والسمعيّة.
هذا ما حدث مع غبريال يمّين وطلال الجردي. ممثّلان مجرّبان في نار المسرح، جعلا من الخشبة مكاناً للتيه والضلال، ما ذكّرني بعبارة لسيدة المسرح ماريا كزاريس تقول فيها، إن المسرح هو دوماً على فوّهة الخطر.
أما كنا في "مسرح مونو" نتفرّج على الضحيّة والجلاّد، عالقين في سجن مكشوف من صنع ضياعهما، لا مكان للخلاص منه؟
من البداية حتى النهاية، نسمع تكتكة الثواني مسرعة ولا تباطؤ في سيولتها، درامية
في فحواها، مسنونة على حد سكين، ضاحكة كشمس في الليل. بين المجنون والعاقل تتبلبل الأدوار والأفكار إلى أن تنتقل عدوى الجنون إلى الضحيّة فيغدو جلاّد ذاته. أمّا المستودع فيتوارى، تاركاً المشهد لمكان وهمي دفن فيه العقل والمنطق. هوذا العنوان العائد دوماً، في هذه المعادلة المزعزعة "فرضاً إنّو..."!


------------------------------------------------------
المصدر : مي منسي - النهار

إرسال تعليق

0 تعليقات

جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة الأضواء المسرحية 2016

موقع الفنان والكاتب المسرحي محسن النصار

الاتصال بهيئة التحرير

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

زيارة مجلة الفنون المسرحية على الفيسبوك

زيارة مجلة  الفنون المسرحية على الفيسبوك
مجلة الفنون المسرحية على الفيسبوك

المشاركة على المواقع الأجتماعية

الأخبار المسرحية

الترجمة Translate

المشاركة في المواقع الأجتماعية

من مواضيعنا المتميزة